فصل: تفسير الآية رقم (51):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (51):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [5/ 51]، ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ وِلَايَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ زَائِفَةٌ لَيْسَتْ خَالِصَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَنِدُ عَلَى أَسَاسٍ صَحِيحٍ، هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَيْنَ النَّصَارَى دَائِمَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بِقَوْلِهِ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [5/ 14]، وَبَيَّنَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْيَهُودِ أَيْضًا، حَيْثُ قَالَ فِيهِمْ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [5/ 64]، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ السِّيَاقِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهَا بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَصَرَّحَ تَعَالَى بِعَدَمِ اتِّفَاقِ الْيَهُودِ مُعَلِّلًا لَهُ بِعَدَمِ عُقُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [59/ 14].
تَنْبِيهٌ:
أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أَنَّ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ يَتَوَارَثَانِ، وَرَدَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ، وِلَايَةُ الْيَهُودِ لِخُصُوصِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى لِخُصُوصِ النَّصَارَى، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ لِتَوَارُثِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُمْ بِتَوَلِّيهِ إِيَّاهُمْ، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ مُوجِبٌ لِسُخْطِ اللَّهِ، وَالْخُلُودِ فِي عَذَابِهِ، وَأَنَّ مُتَوَلِّيَهُمْ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا مَا تَوَلَّاهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [5/ 80، 81].
وَنَهَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ تَوَلِّيهِمْ مُبَيِّنًا سَبَبَ التَّنْفِيرِ مِنْهُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [60/ 13].
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ، فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمُوَالَاةُ بِسَبَبِ خَوْفٍ، وَتَقِيَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَصَاحِبُهَا مَعْذُورٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [3/ 28]، فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا بَيَانٌ لِكُلِّ الْآيَاتِ الْقَاضِيَةِ بِمَنْعِ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا وَإِيضَاحٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْخَوْفِ وَالتَّقِيَّةِ، فَيُرَخَّصُ فِي مُوَالَاتِهِمْ، بِقَدْرِ الْمُدَارَاةِ الَّتِي يَكْتَفِي بِهَا شَرُّهُمْ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ سَلَامَةُ الْبَاطِنِ مِنْ تِلْكَ الْمُوَالَاةِ: [الْوَافِرُ]:
وَمَنْ يَأْتِي الْأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ ** فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيهَا اخْتِيَارًا

وَيُفْهَمُ مِنْ ظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْكُفَّارَ عَمْدًا اخْتِيَارًا، رَغْبَةً فِيهِمْ أَنَّهُ كَافِرٌ مِثْلَهُمْ.

.تفسير الآية رقم (52):

{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ}.
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، يَعْتَذِرُونَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكَفَّارِ مِنَ الْيَهُودِ بِأَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ تَدُورَ عَلَيْهِمُ الدَّوَائِرُ، أَيْ دُوَلُ الدَّهْرِ الدَّائِرَةُ مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [الْوَافِرُ]:
إِذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى ** أُنَاسٍ كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا

يَعْنُونَ إِمَّا بِقَحْطٍ فَلَا يَمِيرُونَنَا، وَلَا يَتَفَضَّلُوا عَلَيْنَا، وَإِمَّا بِظَفَرِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَدُومُ الْأَمْرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَ تَقَلُّبِ الدَّهْرِ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ، يَكُونُ لَهُمْ أَصْدِقَاءُ كَانُوا مُحَافِظِينَ عَلَى صَدَاقَتِهِمْ؛ فَيَنَالُونَ مِنْهُمْ مَا يُؤَمِّلُ الصَّدِيقُ مِنْ صَدِيقِهِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَذِبِهِمْ فِي إِقْسَامِهِمْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ، إِنَّهُمْ لَمَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ تِلْكَ الدَّوَائِرَ الَّتِي حَافَظُوا مِنْ أَجْلِهَا عَلَى صَدَاقَةِ الْيَهُودِ، أَنَّهَا لَا تَدُورُ إِلَّا عَلَى الْيَهُودِ، وَالْكُفَّارِ، وَلَا تَدُورُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِقَوْلِهِ: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ الْآيَةَ، وَعَسَى مِنَ اللَّهِ نَافِذَةٌ؛ لِأَنَّهُ الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يُطْمَعُ إِلَّا فِيمَا يُعْطِي.
وَالْفَتْحُ الْمَذْكُورُ قِيلَ: هُوَ فَتْحُ الْمُسْلِمِينَ لِبِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَقِيلَ: الْفَتْحُ الْحُكْمُ، كَقَوْلِهِ: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [7/ 89]، وَعَلَيْهِ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ بِقَتْلِ مُقَاتِلَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، وَإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقِيلَ: هُوَ فَتْحُ مَكَّةَ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ.
وَبَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ سَبَبَ حَلِفِهِمْ بِالْكَذِبِ لِلْمُسْلِمِينَ، أَنَّهُمْ مِنْهُمْ، إِنَّمَا هُوَ الْفَرَقُ أَيِ الْخَوْفُ، وَأَنَّهُمْ لَوْ وَجَدُوا مَحَلًّا يَسْتَتِرُونَ فِيهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَسَارَعُوا إِلَيْهِ؛ لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [9/ 56، 57]، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ سَبَبِ أَيْمَانِ الْمُنَافِقِينَ، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [58/ 16].
وَبَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ تِلْكَ الْأَيْمَانَ لِيَرْضَى عَنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَأَنَّهُمْ إِنْ رَضُوا عَنْهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [9/ 96].
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِأَيْمَانِهِمْ إِرْضَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَحَقُّ بِالْإِرْضَاءِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [9/ 62].
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ لَهُمْ لِيَرْضَوْا عَنْهُمْ، بِسَبَبِ أَنَّ لَهُمْ عُذْرًا صَحِيحًا، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، لَا لِأَنَّ لَهُمْ عُذْرًا صَحِيحًا، بَلْ مَعَ الْإِعْلَامِ بِأَنَّهُمْ رِجْسٌ، وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ بِسَبَبِ مَا كَسَبُوا مِنَ النِّفَاقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [9/ 95].
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ أَيْمَانَهُمُ الْكَاذِبَةَ سَبَبٌ لِإِهْلَاكِهِمْ أَنْفُسَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
{وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} الْآيَةَ [9/ 42].
وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ لِحَلِفِ الْمُنَافِقِينَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ رَاجِعَةٌ جَمِيعًا إِلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ، الَّذِي هُوَ الْخَوْفُ؛ لِأَنَّ خَوْفَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ سَبَبُ رَغْبَتِهِمْ فِي إِرْضَائِهِمْ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُمْ بِأَنْ لَا يُؤْذُوهُمْ، وَلِذَا حَلَفُوا لَهُمْ، لِيُرْضُوهُمْ، وَلِيُعْرِضُوا عَنْهُمْ، خَوْفًا مِنْ أَذَاهُمْ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا} [5/ 53] فِيهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ سَبْعِيَّاتٍ.
الْأُولَى: يَقُولُ بِلَا وَاوٍ مَعَ الرَّفْعِ، وَبِهَا قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ.
الثَّانِيَةُ: وَيَقُولُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ مَعَ رَفْعِ الْفِعْلِ أَيْضًا، وَبِهَا قَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ.
الثَّالِثَةُ: بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ، وَنَصْبِ: {يَقُولُ} عَطْفًا عَلَى: {أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} وَبِهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو.

.تفسير الآية رقم (54):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} الْآيَةَ.
أَخْبَرَ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُمْ إِنِ ارْتَدَّ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ الْمُرْتَدِّ بِقَوْمٍ مِنْ صِفَاتِهِمُ الذُّلُّ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالتَّوَاضُعُ لَهُمْ، وَلِينُ الْجَانِبِ، وَالْقَسْوَةُ وَالشِّدَّةُ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ بِلِينِ الْجَانِبِ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِقَوْلِهِ: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [15/ 88]، وَقَوْلِهِ: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [26/ 215]، وَأَمَرَهُ بِالْقَسْوَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [9/ 73]، وَأَثْنَى تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ بِاللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} الْآيَةَ [3/ 159]، وَصَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ مِنَ اللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالشِّدَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ، مِنْ صِفَاتِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، بِقَوْلِهِ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [48/ 29].
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [الطَّوِيلُ]:
وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ ** رَحْلِهَا أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ

وَأَعْطَى إِذَا مَا طَالِبُ الْعُرْفِ جَاءَهُ ** وَأَمْضَى بِحَدِّ الْمَشْرَفِيِّ الْمُهَنَّدِ

وَقَالَ الْآخَرُ فِيهِ: [الطَّوِيلُ]:
وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ ** رَحْلِهَا أَشَدَّ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنْ مُحَمَّدِ

وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَلِينَ إِلَّا فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِلِّينِ، وَأَلَّا يَشْتَدَّ إِلَّا فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِلشِّدَّةِ، لِأَنَّ اللِّينَ فِي مَحَلِّ الشِّدَّةِ ضَعْفٌ، وَخَوَرٌ، وَالشِّدَّةَ فِي مَحَلِّ اللِّينِ حُمْقٌ، وَخَرَقٌ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي: [الطَّوِيلُ]:
إِذَا قِيلَ حِلْمٌ قُلْ فَلِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ ** وَحِلْمُ الْفَتَى فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ

.تفسير الآية رقم (66):

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَوْ أَطَاعُوا اللَّهَ، وَأَقَامُوا كِتَابَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ، لَيَسَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الْأَرْزَاقَ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ، وَأَخْرَجَ لَهُمْ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ.
وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خَاصًّا بِهِمْ، كَقَوْلِهِ عَنْ نُوحٍ وَقَوْمِهِ: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [71/ 11]، وَقَوْلِهِ عَنْ هُودٍ وَقَوْمِهِ: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} الْآيَةَ [11/ 52]، وَقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّنَا- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَقَوْمِهِ: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [11/ 3]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} الْآيَةَ [16/ 97]. عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَقَوْلِهِ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الْآيَةَ [7/ 96]، وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [65/ 2، 3]، وَقَوْلِهِ: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [20/ 132]، وَمَفْهُومُ الْآيَةِ أَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى، سَبَبٌ لِنَقِيضِ مَا يُسْتَجْلَبُ بِطَاعَتِهِ، وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} الْآيَةَ [30/ 41]، وَنَحْوَهَا مِنَ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قِسْمَانِ:
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مُقْتَصِدَةٌ فِي عَمَلِهَا، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَيِّئُ الْعَمَلِ، وَقَسَّمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ فِي قَوْلِهِ: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [35/ 32]، وَوَعَدَ الْجَمِيعَ بِالْجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [35/ 33].
وَذَكَرَ الْقِسْمَ الرَّابِعَ: وَهُوَ الْكُفَّارُ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} الْآيَةَ [35/ 36].
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي الْمُقْتَصِدِ، وَالسَّابِقِ، وَالظَّالِمِ، أَنَّ الْمُقْتَصِدَ هُوَ مَنِ امْتَثَلَ الْأَمْرَ، وَاجْتَنَبَ النَّهْيَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ السَّابِقَ بِالْخَيْرَاتِ هُوَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَزَادَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ، وَالتَّوَرُّعِ عَنْ بَعْضِ الْجَائِزَاتِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِغَيْرِهِ، وَأَنَّ الظَّالِمَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} الْآيَةَ [9/ 102]، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الْآيَةَ.
أَمَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَشَهِدَ لَهُ بِالِامْتِثَالِ فِي آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [5/ 3]، وَقَوْلِهِ: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [24/ 54]، وَقَوْلِهِ: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} [51/ 54]، وَلَوْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكْتُمَ شَيْئًا، لَكَتَمَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [33/ 37]، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ حَرْفًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَعْظَمَ الِافْتِرَاءَ عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

.تفسير الآية رقم (71):

{وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} الْآيَةَ.
ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَمُوا وَصَمُّوا مَرَّتَيْنِ تَتَخَلَّلُهُمَا تَوْبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَبَيَّنَ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} الْآيَةَ [17/ 4]، فَبَيَّنَ جَزَاءَ عَمَاهُمْ، وَصَمَمِهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأَوْلَى بِقَوْلِهِ: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} الْآيَةَ [17/ 5]، وَبَيَّنَ جَزَاءَ عَمَاهُمْ وَصَمَمِهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، وَبَيَّنَ التَّوْبَةَ الَّتِي بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمْ إِنْ عَادُوا إِلَى الْإِفْسَادِ عَادَ إِلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا، فَعَادُوا إِلَى الْإِفْسَادِ بِتَكْذيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتْمِ صِفَاتِهِ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ، فَعَادَ اللَّهُ إِلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَبَحَ مُقَاتِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ، وَذَرَارِيَّهُمْ، وَأَجْلَى بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَبَنِي النَّضِيرِ، كَمَا ذَكَرَ تَعَالَى طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ، وَهَذَا الْبَيَانُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِ أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ الْمَاضِيَةِ، مِنْ قَتْلِ الرُّسُلِ، وَتَكْذِيبِهِمْ، إِذْ قَبْلَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ: {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [5/ 70].
وَمَعْنَى: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [5/ 71]، ظَنُّوا أَلَّا يُصِيبَهُمْ بَلَاءٌ وَعَذَابٌ مِنَ اللَّهِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، لِزَعْمِهِمُ الْبَاطِلِ، أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَقَوْلُهُ: كَثِيرٌ مِنْهُمْ، أَحْسَنُ أَوْجُهِ الْإِعْرَابِ فِيهِ؛ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ وَاوِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: عَمُوا وَصَمُّوا، كَقَوْلِكَ: جَاءَ الْقَوْمُ أَكْثَرُهُمْ، وَقَوْلُهُ: أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ، قَرَأَهُ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ، وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ، فَوَجْهُ قِرَاءَةِ النَّصْبِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحُسْبَانَ بِمَعْنَى الظَّنِّ، وَوَجْهُ قِرَاءَةِ الرَّفْعِ، تَنْزِيلُ اعْتِقَادِهِمْ لِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا، مَنْزِلَةَ الْعِلْمِ، فَتَكُونُ أَنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

.تفسير الآية رقم (74):

{أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
أَشَارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [5/ 73]، لَوْ تَابُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، لَتَابَ عَلَيْهِمْ، وَغَفَرَ لَهُمْ، لِأَنَّهُ اسْتَعْطَفَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَحْسَنَ اسْتِعْطَافٍ، وَأَلْطَفَهُ بِقَوْلِهِ: أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ غَفَرَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَصَرَّحَ بِهَذَا الْمَعْنَى عَامًّا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ:
{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} الْآيَةَ [8/ 38].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ عِيسَى وَأُمَّهُ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ، وَذَكَرَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ كَانُوا كَذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} الْآيَةَ [25/ 20]، وَقَوْلِهِ: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} الْآيَةَ [21/ 8]، وَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ} الْآيَةَ [25/ 7]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} مَعْنَى قَوْلِهِ: يُؤْفَكُونَ يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ، وَالْمُرَادُ بِصَرْفِهِمْ عَنْهُ، قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَعَلَى مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ لَعَائِنُ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَشْنَعَ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمَ، مَعَ ظُهُورِ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ الْمُبَيِّنَةِ لَهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِنْ أَمْرِهِمْ، كَيْفَ يُؤْفَكُونَ إِلَى هَذَا الْكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ؟!

.تفسير الآية رقم (78):

{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} الْآيَةَ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الَّذِينَ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ، الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ، وَالَّذِينَ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْمَائِدَةِ، وَعَلَيْهِ فَلَعْنُ الْأَوَّلِينَ مَسْخُهُمْ قِرَدَةً، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [2/ 65]، وَقَوْلِهِ: {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [7/ 166]، وَلَعْنُ الْآخَرِينَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [5/ 115]، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ مَسَخَهُمْ خَنَازِيرَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْبَاقِرِ، نَقَلَهُ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَالَ: وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: إِنَّ أَهْلَ أَيْلَةَ لَمَّا اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ، قَالَ دَاوُدُ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اللَّهُمَّ أَلْبِسْهُمُ اللَّعْنَ مِثْلَ الرِّدَاءِ، وَمِثْلَ الْمِنْطَقَةِ عَلَى الْحَقْوَيْنِ»، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً، وَأَصْحَابُ الْمَائِدَةِ لَمَّا كَفَرُوا، قَالَ عِيسَى- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ مَا أَكَلَ مِنَ الْمَائِدَةِ عَذَابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَالْعَنْهُمْ كَمَا لَعَنْتَ أَصْحَابَ السَّبْتِ، فَأَصْبَحُوا خَنَازِيرَ».
وَأَنَّ هَذَا مَعْنَى لَعْنِهِمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَفِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذَا تَرَكْنَا التَّعَرُّضَ لَهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ.

.تفسير الآية رقم (89):

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} قَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ، هُوَ مَا قَصَدْتُمْ عَقْدَ الْيَمِينِ فِيهِ، لَا مَا جَرَى عَلَى أَلْسِنَتِكُمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ نَحْوَ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: [الطَّوِيلُ]:
وَلَسْتَ بِمَأَخُوذٍ بِلَغْوٍ تَقُولُهُ ** إِذَا لَمْ تَعْمَدْ عَاقِدَاتِ الْعَزَائِمِ

وَهَذَا الْعَقْدُ مَعْنَوِيٌّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ: [الْبَسِيطُ]:
قَوْمٌ إِذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ شَدُّوا ** الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا

وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَشُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ: {عَقَدْتُمْ} [5/ 89]، بِالتَّخْفِيفِ بِلَا أَلِفٍ، وَقَرَأَهُ ابْنُ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ: عَاقَدْتُمْ بِأَلِفٍ بِوَزْنِ فَاعِلٍ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَالتَّضْعِيفُ وَالْمُفَاعَلَةُ: مَعْنَاهُمَا مُجَرَّدُ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ عَقَدْتُمْ بِلَا أَلِفٍ، وَلَا تَضْعِيفٍ، وَالْقِرَاءَاتُ يُبَيِّنُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَمَا فِي قَوْلِهِ: بِمَا عَقَّدْتُمْ مَصْدَرِيَّةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا مَوْصُولَةٌ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ زَاعِمًا أَنَّ ضَمِيرَ الرَّابِطِ مَحْذُوفٌ.
وَفِي الْمُرَادِ بِاللَّغْوِ فِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ، أَشْهَرُهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ اثْنَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّغْوَ مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ.
وَذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ: الشَّافِعِيُّ، وَعَائِشَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعِكْرِمَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَغَيْرُهُ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّغْوَ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ، فَيَظْهَرَ نَفْيُهُ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَحْسَنُ مَا سَمِعَ فِي مَعْنَى اللَّغْوِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالْحَسَنِ، وَزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، وَأَبِي مَالِكٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَحَدِ قَوْلَيْ عِكْرِمَةَ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَمُقَاتِلٍ، وَطَاوُسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَبِيعَةَ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وَالْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَانِ، وَاللَّغْوُ يَشْمَلُهُمَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَقْصِدْ عَقْدَ الْيَمِينِ أَصْلًا، وَفِي الثَّانِي لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا الْحَقَّ وَالصَّوَابَ، وَغَيْرُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مِنَ الْأَقْوَالِ تَرَكْتُهُ لِضَعْفِهِ فِي نَظَرِي، وَاللَّغْوُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْكَلَامُ بِمَا لَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةَ، أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ أَوْ لَغَيْتَ».
وَقَوْلُ الْعَجَّاجِ: [الرَّجَزُ]:
وَرُبَّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ** عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ

مَسَائِلُ مِنْ أَحْكَامِ الْأَيْمَانِ اعْلَمْ أَنَّ الْأَيْمَانَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: اثْنَانِ فِيهِمَا الْكَفَّارَةُ بِلَا خِلَافٍ، وَاثْنَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا نَصُّهُ: الْأَيْمَانُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمَانِ فِيهِمَا الْكَفَّارَةُ، وَقِسْمَانِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا. خَرَّجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: الْأَيْمَانُ أَرْبَعَةٌ، يَمِينَانِ يُكَفَّرَانِ، وَيَمِينَانِ لَا يُكَفَّرَانِ. فَالْيَمِينَانِ اللَّذَانِ يُكَفَّرَانِ، فَالرَّجُلُ الَّذِي يَحْلِفُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا فَيَفْعَلُ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، فَلَا يَفْعَلُ. وَالْيَمِينَانِ اللَّذَانِ لَا يُكَفَّرَانِ، فَالرَّجُلُ يَحْلِفُ: وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ فَعَلَ، وَالرَّجُلُ يَحْلِفُ: لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَذَكَرَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَذَكَرَهُ الْمَرْوَزِيُّ عَنْهُ أَيْضًا، قَالَ سُفْيَانُ: الْأَيْمَانُ أَرْبَعَةٌ، يَمِينَانِ يُكَفَّرَانِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ثُمَّ يَفْعَلُ، أَوْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ ثُمَّ لَا يَفْعَلُ. وَيَمِينَانِ لَا يُكَفَّرَانِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ، وَقَدْ فَعَلَ، أَوْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ وَمَا فَعَلَ.
قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: أَمَّا الْيَمِينَانِ الْأُولَيَانِ، فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا قَالَ سُفْيَانُ، وَأَمَّا الْيَمِينَانِ الْأُخْرَيَانِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِمَا فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ حَلَفَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا، أَوْ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا عِنْدَ نَفْسِهِ صَادِقًا يُرَى أَنَّهُ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: وَلَيْسَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا بِالْقَوِيِّ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ فَعَلَ، مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فَهُوَ آثِمٌ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ: مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: يُكَفِّرُ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: أَمِيلُ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ، وَهُوَ حَاصِلُ تَحْرِيرِ الْمَقَامِ فِي حَلِفِ الْإِنْسَانِ لَأَفْعَلَنَّ أَوْ لَا أَفْعَلُ.
وَأَمَّا حَلِفُهُ عَلَى وُقُوعِ أَمْرٍ غَيْرِ فِعْلِهِ، أَوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ فِي الْوُجُودِ كَذَا، أَوْ لَمْ يَقَعْ فِي الْوُجُودِ كَذَا، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَاضٍ أَنَّهُ وَاقِعٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ مُتَعَمِّدًا الْكَذِبَ فَهِيَ يَمِينٌ غَمُوسٌ، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ وُقُوعَهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ فَهِيَ مِنْ يَمِينِ اللَّغْوِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ كَانَ شَاكًّا فَهُوَ كَالْغَمُوسِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْغَمُوسِ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ لَا يَدْرِي أَيَقَعُ أَمْ لَا؟ فَهُوَ كَذَلِكَ أَيْضًا يَدْخُلُ فِي يَمِينِ الْغَمُوسِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ يَمِينَ الْغَمُوسِ لَا تُكَفَّرُ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ أَنْ تُكَفِّرَهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ بِالْكَفَّارَةِ فِيهَا، وَفِيهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي غَيْرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالزَّمَنِ الْمَاضِي، وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ مُنْقَسِمَةٌ أَيْضًا إِلَى يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ عَلَى بِرٍّ، وَيَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ عَلَى حِنْثٍ، فَالْمُنْعَقِدَةُ عَلَى بِرٍّ هِيَ الَّتِي لَا يَلْزَمُ حَالِفَهَا تَحْلِيلُ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، وَالْمُنْعَقِدَةُ عَلَى حِنْثٍ، هِيَ الَّتِي يَلْزَمُ صَاحِبَهَا حَلُّ الْيَمِينِ بِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، أَوْ بِالْكَفَّارَةِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَلَا يُحْكَمُ بِحِنْثِهِ فِي الْمُنْعَقِدَةِ عَلَى حِنْثٍ حَتَّى يَفُوتَ إِمْكَانُ فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُوَقَّتَةً بِوَقْتٍ فَيَحْنَثُ بِفَوَاتِهِ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَتْ بِطَلَاقٍ كَقَوْلِهِ عَلَى طَلَاقِهَا: لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا حَتَّى يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ أَمْ يَحْنَثُ؟ وَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى فَرْجٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يُمْنَعُ مِنَ الْوَطْءِ، لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَالطَّلَاقُ لَمْ يَقَعْ بِالْفِعْلِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ الْقَسَمُ بِمَخْلُوقٍ لِقَوْلِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ»، وَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينٌ بِمَخْلُوقٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِالنَّصِّ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ فِي مَنْعِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَوَقُّفِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: يُخْرَجُ مِنْ عُهْدَةِ الْيَمِينِ بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
الْأَوَّلُ: إِبْرَارُهَا بِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: الْكَفَّارَةُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ.
الثَّالِثُ: الِاسْتِثْنَاءُ بِنَحْوِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ حِلٌّ لِلْيَمِينِ لَا بَدَلَ مِنَ الْكَفَّارَةِ، كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ التَّلَفُّظِ بِهِ، وَالِاتِّصَالُ بِالْيَمِينِ، فَلَا يُقْبَلُ الْفَصْلُ بِغَيْرِ ضَرُورِيٍّ كَالسُّعَالِ، وَالْعُطَاسِ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ جَوَازِ تَرَاخِي الِاسْتِثْنَاءِ.
فَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الْعَبْدَ يَلْزَمُهُ إِذَا قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [18/ 23، 24]، فَإِنْ نَسِيَ الِاسْتِثْنَاءَ بِإِنْ شَاءَ، وَتَذَكَّرَهُ وَلَوْ بَعْدَ فَصْلٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِنْ عُهْدَةِ عَدَمِ تَفْوِيضِ الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ وَتَعْلِيقِهَا بِمَشِيئَتِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُحِلُّ الْيَمِينَ الَّتِي مَضَتْ وَانْعَقَدَتْ.
وَيَدُلُّ لِهَذَا أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِأَيُّوبَ: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [38/ 44]، وَلَوْ كَانَ تَدَارُكُ الِاسْتِثْنَاءِ مُمْكِنًا لَقَالَ لَهُ قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا عُلِمَ انْعِقَادُ يَمِينٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَلْحَقَهَا الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَأَخِّرُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ يُفِيدُ فِي الْحَلِفِ بِاللَّهِ إِجْمَاعًا.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غَيْرِهِ كَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْعِتْقِ، كَأَنْ يَقُولَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَيْمَانًا، وَإِنَّمَا هِيَ تَعْلِيقَاتٌ لِلْعِتْقِ وَالظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ إِنَّمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي الْيَمِينِ دُونَ التَّعْلِيقِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَطَاوُسٌ، وَحَمَّادٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الظِّهَارِ، وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ فِيهِ كَفَّارَةٌ فَهُوَ يَمِينٌ تَنْحَلُّ بِالِاسْتِثْنَاءِ، كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ وَالنَّذْرِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ هُوَ بِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَنْ فِعْلِهِ نَاسِيًا، فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ: لَا حِنْثَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِالنِّسْيَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [33/ 5]، وَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ أَعَلَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَرَأَ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [2/ 286]، قَالَ اللَّهُ نَعَمْ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ اللَّهُ قَدْ فَعَلْتُ وَكَوْنُ مَنْ فَعَلَ نَاسِيًا لَا يَحْنَثُ هُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَإِسْحَاقَ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرٌ لِلْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَرَبِيعَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ أَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ عَمْدًا؛ فَلَمَّا كَانَ عَامِدًا لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْحِنْثِ، لَمْ يُعْذَرْ بِنِسْيَانِهِ الْيَمِينَ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِهِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا، فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَيُعْذَرُ بِهِ فِي غَيْرِهِمَا، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي، قَالَ: وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ- عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ حَقًّا لِلَّهِ وَحَقًّا لِلْآدَمِيِّ، وَالْحَالِفُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَيَدَّعِي النِّسْيَانَ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ مِنَ الْقُصُودِ الْكَامِنَةِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ حَقِيقَتُهَا لِلنَّاسِ، فَلَوْ عُذِرَ بِادِّعَاءِ النِّسْيَانِ لَأَمْكَنَ تَأْدِيَةُ ذَلِكَ إِلَى ضَيَاعِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ أَمْرًا مِنَ الْمَعْرُوفِ كَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ وَالتَّعَلُّلُ بِالْيَمِينِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وَيَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} الْآيَةَ [2/ 224]، أَيْ لَا تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ بِاللَّهِ تَعَالَى مَانِعَةً لَكُمْ مِنَ الْبِرِّ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ إِذَا حَلَفْتُمْ عَلَى تَرْكِهَا، وَنَظِيرُ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَلِفِ أَبِي بَكْرٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَلَّا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ، لِمَا قَالَ فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا قَالَ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [24/ 22].
وَقَوْلُهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَوْلُهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى.

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ:
كَفَّارَتُهَا تَرْكُهَا مُتَمَسِّكًا بِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهَا: «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»، وَهِيَ الصِّحَاحُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} لَمْ يُقَيِّدْ هُنَا رَقَبَةٍ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ بِالْإِيمَانِ، وَقَيَّدَ بِهِ كَفَّارَةَ الْقَتْلِ خَطَأً.
وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فِي حَالَةِ اتِّفَاقِ الْحُكْمِ، مَعَ اخْتِلَافِ السَّبَبِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ فِيهِ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَتَقَيُّدُ رَقَبَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ بِالْقَيْدِ الَّذِي فِي رَقَبَةِ الْقَتْلِ خَطَأً، حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِنَا دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ، فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [4/ 92]؛ وَلِذَلِكَ لَمْ نُطِلِ الْكَلَامَ بِهَا هُنَا، وَالْمُرَادُ بِالتَّحْرِيرِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الرِّقِّ، وَرُبَّمَا اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي الْإِخْرَاجِ مِنَ الْأَسْرِ، وَالْمَشَقَّاتِ، وَتَعَبِ الدُّنْيَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ وَالِدَةِ مَرْيَمَ: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [3/ 35]، أَيْ مِنْ تَعَبِ أَعْمَالِ الدُّنْيَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ هَمَّامِ بْنِ غَالِبٍ التَّمِيمِيِّ: [الْكَامِلُ]:
أَبَنِي غُدَانَةَ إِنَّنِي حَرَّرْتُكُمْ ** فَوَهَبْتُكُمْ لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعَالِ

يَعْنِي حَرَّرْتُكُمْ مِنَ الْهِجَاءِ، فَلَا أَهْجُوكُمْ.